الشيخ محمد آصف المحسني

298

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

بل صريح ما دلّ على عدم علمهم بالواقعة قبل العلم المذكور ، وصريح ما ورد في أنّه لولا العلم الحادث لنفد ما عندهم يرد هذا الاحتمال كما لا يخفى . وإن كان غيره فهو مورد الإشكال ، والسؤال المتقدّم وإنّه أيّ شي لم يعلموه حتّى يحدث لهم علمه ؟ فهذا الجواب فليكن مفروغاً عن بطلانه . الثاني : أنّ الفائض عليهم تفاصيل ما عندهم من المجملات ، وإن أمكنهم استخراج التفاصيل المذكورة ممّا عندهم من أصول العلم وموادّه ، فتدبر . الثالث : أن يكون مبنيّاً على البداء ، فإنّ فيما علموا سابقاً ما يحتمل البداء والتغيير ، فإذا ألهموا بما غير من ذلك بعد الإفاضة على أرواح من تقدّم من الحجج ، أو أكّد ما علموا بأنّه حتمي ، لا يقبل التغيير كان ذلك أقوى علومهم وأشرفها . أقول : ويدلّ على هذا الوجه جملة من الأخبار لكن لا بنحو الانحصار فهو أحد موارد العلم الحادث « 1 » . الرابع : ما اختاره بعض أكابر المحدثين وهو أنّهم ( عليهم السلام ) في النشأتين سابقاً على الحياة البدني ولاحقاً بعد وفاتهم يعرجون في المعارف الربّانية الغير المتناهية على مدارج الكمال ؛ إذ لا غاية لعرفانه تعالى وقربه ، ويظهر ذلك من كثير من الأخبار ، وظاهر أنّهم إذا تعلّموا في بدو إمامتهم علماً لا يقفون في تلك المرتبة ويحصل لهم بسبب مزيد القرب والطاعات زوائد العلم والحكم والترقيات في معرفة الربّ تعالى ، وكيف لا يحصل لهم ويحصل ذلك لسائر الخلق مع نقص قابليتهم واستعدادهم ، فهم ( عليهم السلام ) أولى بذلك وأحرى ، ولعلّ هذا أحد وجوه استغفارهم وتوبتهم في كلّ يوم سبعين مرّة وأكثر ؛ إذ عند عروجهم إلى كلّ درجة رفيعة من درجات العرفان يرون أنّهم كانوا في المرتبة السابقة في النقصان ، فيستغفرون منها ويتوبون إليه تعالى . أقول : تخصيصه العلم الحادث بالمعارف الربّانيّة لعلّه من جهة ما دلّ عليه الأخبار من أشرفية العلم المذكور ، أو من جهة أنّ الفروع معلومة لهم كلّها كما مرّ ، لكن الأنسب بمدلول الأخبار هو التعميم ولو من غير جهة الفروع الفقهيّة ، بل هو ممّا لا بدّ منه بلحاظ جملة من الروايات كما لا يخفى على الخبير . فالأحسن أن يجعل الوجوه الثلاثة كلّها موارد العلم الحادث ، وأنّه إمّا لتفصيل ما أجمل ، أو لإبرام ما يحتمل النقض ، أو لنقض ما يحتمل الإبرام أو لفيضان أسرار المعارف الإلهية ، والحقائق الكونيّة ، وخواص الأشياء ، ونحو ذلك ممّا لا نعلمه ، والله العالم .

--> ( 1 ) - لاحظ البحار 4 / 94 .